أبرز البنك الدولي، في تقرير نشره يوم الخميس 18 أبريل 2024، التقدم الذي حققه المغرب في مجال تعزيز قدرته على مواجهة الكوارث الطبيعية والتغيرات المناخية، من خلال برامج للوقاية من المخاطر، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتحسين آليات التأمين والتعويض عن الأضرار الناجمة عن الكوارث.
وكشف التقرير، الذي حمل عنوان «من الكوارث إلى الفرص: بناء مستقبل قادر على الصمود في المغرب»، أن التعاون بين المملكة والبنك الدولي ساهم، منذ سنة 2008، في الانتقال التدريجي من سياسة تركز على التدخل بعد وقوع الكارثة إلى مقاربة استباقية تقوم على تقليص المخاطر والاستعداد المسبق لحالات الطوارئ.
وجاء نشر هذه المعطيات بعد أشهر من زلزال الحوز، الذي ضرب المغرب في شتنبر 2023، وأعاد إلى الواجهة أهمية الاستثمار في الوقاية والجاهزية وحماية السكان والبنيات التحتية.
أكثر من 230 مشروعاً للحد من مخاطر الكوارث
أفاد البنك الدولي بأن المغرب استفاد من دعم تمويل وتنفيذ أكثر من 230 مشروعاً للحد من مخاطر الكوارث الطبيعية خلال الفترة الممتدة بين 2016 و2024، بقيمة إجمالية بلغت 304 ملايين دولار.
وشملت هذه المشاريع مبادرات تهدف إلى الحماية من الفيضانات، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وإعداد خرائط تحدد المناطق المعرضة للمخاطر الطبيعية.
وحسب التقرير، بلغت قيمة المشاريع المنجزة ضمن هذا البرنامج 76.6 مليون دولار، واستفاد منها نحو 400 ألف شخص بصورة مباشرة، وأكثر من 33 مليون شخص بصورة غير مباشرة على الصعيد الوطني.
ويعكس هذا التوجه أهمية إدراج الوقاية من الكوارث ضمن السياسات العمومية، باعتبار أن الحد من الخسائر البشرية والمادية يتطلب إجراءات تتجاوز عمليات الإنقاذ والإغاثة التي تُنفذ بعد وقوع الحوادث.
المغرب يواجه مخاطر الزلازل والفيضانات والجفاف
أكد البنك الدولي أن المغرب يعد من البلدان المعرضة لعدد من المخاطر الطبيعية والمناخية بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وفي مقدمتها الزلازل والفيضانات والانهيارات الأرضية والجفاف.
وأشار التقرير إلى أن النمو العمراني والتغير المناخي يمكن أن يزيدا من حجم بعض هذه المخاطر، ولا سيما الظواهر المناخية والمائية المتطرفة.
وقدّر البنك الدولي الكلفة الاقتصادية السنوية للكوارث الطبيعية بالمغرب بأكثر من 575 مليون دولار، وهو رقم يعكس أهمية التدابير الوقائية في حماية الأنشطة الاقتصادية والبنيات التحتية ومصادر عيش السكان.
وتتخذ هذه التحديات أبعاداً مختلفة حسب طبيعة المناطق، إذ ترتبط مخاطر الفيضانات بتهيئة المجال وشبكات تصريف المياه، فيما يفرض الجفاف ضغوطاً على الموارد المائية والإنتاج الفلاحي.
أما الزلازل، فتبرز الحاجة إلى تعزيز معايير سلامة البناء، وتطوير وسائل التدخل السريع، وتحسين استعداد المؤسسات العمومية والسكان للتعامل مع حالات الطوارئ.
زلزال الحوز يؤكد أهمية الاستعداد المسبق
شكل زلزال 8 شتنبر 2023 أحد أبرز الأحداث التي تناولها التقرير، بالنظر إلى الخسائر البشرية والمادية الكبيرة التي خلفها بالمناطق الجبلية، خصوصاً بإقليم الحوز والمناطق المجاورة.
وأوضح البنك الدولي أن الزلزال أثر على ما لا يقل عن 300 ألف شخص، وتسبب في تدمير عشرات الآلاف من المباني، فضلاً عن وفاة قرابة ثلاثة آلاف شخص.
وسلطت هذه الفاجعة الضوء على الصعوبات التي قد تواجه عمليات الإنقاذ في المناطق ذات التضاريس الوعرة، وعلى أهمية توفر شبكات طرق ومرافق صحية واتصالات قادرة على الاستمرار في أداء وظائفها خلال الكوارث.
كما أبرزت ضرورة الجمع بين الوقاية المسبقة والقدرة على تعبئة الموارد المالية واللوجستيكية بسرعة، بهدف دعم المتضررين وإعادة تأهيل المناطق المنكوبة.
580 مليون دولار من أدوات التمويل والدعم
استعرض التقرير مساهمة البنك الدولي في دعم البرامج المغربية المرتبطة بتدبير مخاطر الكوارث، من خلال ثلاث عمليات تمويلية بلغت قيمتها الإجمالية 580 مليون دولار.
وتتكون هذه المساهمة من ثلاثة قروض للبنك الدولي للإنشاء والتعمير بقيمة إجمالية تبلغ 575 مليون دولار، إضافة إلى منحة بقيمة خمسة ملايين دولار من آلية تمويل الدرع العالمي.
واستُخدمت هذه الأدوات لدعم الإصلاحات المؤسساتية، وتقوية القدرات، وتمويل تدابير خفض المخاطر، وتعزيز أنظمة الحماية المالية والتأمين.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام تخص تمويلات وأدوات دعم قائمة ضمن مسار التعاون السابق، وليست إعلاناً عن قرض جديد بقيمة 580 مليون دولار بتاريخ 18 أبريل 2024.
تطوير منظومة التأمين والتعويض عن الكوارث
أولى التقرير أهمية خاصة للآليات المالية التي اعتمدها المغرب لمواجهة الأضرار الناجمة عن الوقائع الكارثية.
وأشار إلى دور القانون رقم 110.14، الذي وضع إطاراً لنظام مزدوج يجمع بين التغطية التأمينية الخاصة وصندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية، بهدف توسيع الحماية لتشمل المؤمن لهم وغير المؤمن لهم وفق الشروط القانونية المحددة.
وبحسب البنك الدولي، وفّر نظام التأمين الخاص تغطية لأكثر من 17 مليون شخص، فيما أُحدث صندوق التضامن لتوفير آلية مساعدة للفئات غير المشمولة بالتأمين الخاص.
وبعد زلزال الحوز، أتاحت منظومة الحماية المالية تعبئة نحو 300 مليون دولار لتغطية الخسائر المؤهلة للتعويض، من بينها حوالي 275 مليون دولار مرتبطة بآلية إعادة التأمين السيادي.
ويبرز هذا النظام أهمية الاستعداد المالي المسبق للكوارث، مع ضرورة التمييز بين الموارد التي جرت تعبئتها والمبالغ التي صُرفت فعلياً إلى المستفيدين.
أنظمة الإنذار المبكر لحماية السكان
كشف البنك الدولي أن المغرب طور نظاماً للإنذار المبكر بمخاطر الفيضانات، أصبح عملياً منذ سنة 2023 في أربع مناطق تجريبية، تشمل المحمدية ومنطقة الغرب ووادي أوريكا وإقليم كلميم.
ووفق المعطيات المنشورة، يستفيد نحو 240 ألف شخص بصورة مباشرة من هذه المنظومة، التي تهدف إلى تحسين رصد الأخطار وتوفير المعلومات الضرورية قبل وقوع الفيضانات.
ويُعد الإنذار المبكر من الأدوات الأساسية للحد من الخسائر البشرية، إذ يسمح للسلطات المختصة بالاستعداد واتخاذ التدابير الوقائية عند توفر مؤشرات على وجود خطر محتمل.
غير أن فعالية هذه الأنظمة ترتبط كذلك بجودة المعلومات المتاحة، وسرعة إيصال التنبيهات إلى السكان، ووجود خطط محلية واضحة للتدخل والإجلاء.
استراتيجية وطنية لتدبير مخاطر الكوارث
في الجانب المؤسساتي، أبرز التقرير إحداث مديرية متخصصة في تدبير مخاطر الكوارث بوزارة الداخلية سنة 2020، إلى جانب اعتماد الاستراتيجية الوطنية لتدبير مخاطر الكوارث للفترة الممتدة بين 2021 و2030.
وتهدف هذه الاستراتيجية إلى تحسين التنسيق بين المؤسسات، وتعزيز الوقاية، وتقوية القدرة على التعامل مع مختلف الأخطار الطبيعية.
كما أشار البنك الدولي إلى برنامج عمل تشغيلي يغطي الفترة 2021–2026، ويتضمن 18 برنامجاً و57 مشروعاً، تتوزع على مجالات التوعية بالمخاطر وتقوية البنيات الأساسية وتشجيع الاستثمارات الوقائية.
وتكتسي هذه الإجراءات أهمية خاصة بالنسبة إلى الجماعات الترابية، باعتبارها المستوى الأقرب إلى احتياجات السكان والمجالات المعرضة للمخاطر.
الوقاية من الفيضانات والجفاف رهان للتنمية المحلية
تطرح المعطيات الواردة في التقرير تحديات تتصل أيضاً بالأقاليم ذات النشاط الفلاحي والعمراني المتنامي، ومن بينها إقليم برشيد.
فالاستعداد لمواجهة ندرة المياه والفيضانات المحتملة يرتبط بتخطيط المجال، وحماية الموارد المائية، وصيانة شبكات تصريف مياه الأمطار، وتطوير وسائل الرصد والتدخل.
كما أن حماية المنشآت العمومية والطرق والمرافق الصحية والتعليمية تعد من العناصر الأساسية لضمان استمرار الخدمات عند وقوع أزمات طبيعية.
وتبرز هنا أهمية التنسيق بين السلطات المحلية والجماعات الترابية والمصالح التقنية، إلى جانب تعزيز الوعي المجتمعي بالسلوكيات الوقائية.
ولا يقدم تقرير البنك الدولي الصادر في 18 أبريل 2024 حصيلة تفصيلية لمشاريع منفذة بإقليم برشيد، ولذلك فإن هذه الاعتبارات تندرج ضمن قراءة محلية لأهمية الوقاية، ولا تعني تأكيد استفادة الإقليم من مشروع محدد ضمن البرامج المذكورة.
من التدخل بعد الكارثة إلى بناء القدرة على الصمود
يعكس التقرير تحولاً في مقاربة تدبير المخاطر الطبيعية بالمغرب، من التركيز على معالجة آثار الكوارث بعد وقوعها إلى الاستثمار في وسائل الحد من احتمالات الخسائر والاستعداد المبكر.
ويرتبط نجاح هذا التحول بمدى استمرارية البرامج الوقائية، وفعالية التنسيق المؤسساتي، وتوفير التمويل اللازم للصيانة والتطوير، ووصول أدوات الحماية إلى الفئات الأكثر عرضة للمخاطر.
كما تؤكد تجربة زلزال الحوز أن القدرة على مواجهة الكوارث لا تقاس فقط بسرعة التدخل بعد وقوعها، بل تشمل أيضاً جودة البناء والتخطيط الترابي، ومدى جاهزية البنيات التحتية والخدمات الأساسية.
وبذلك شكل تقرير البنك الدولي الصادر يوم 18 أبريل 2024 محطة لتقييم التقدم المحقق في مجال الوقاية من الكوارث الطبيعية بالمغرب، وتسليط الضوء على التحديات المرتبطة بتغير المناخ وحماية السكان والاقتصاد من الصدمات المستقبلية.
برشيد الحدث | صوت الإقليم ونبض المجتمع


