كشف البنك الدولي، يوم الخميس 16 نونبر 2023، عن توقعاته بشأن تطور الاقتصاد المغربي، مؤكداً أن المملكة أظهرت قدرة على مواجهة الصدمات الاقتصادية والمناخية المتتالية، رغم استمرار تحديات التضخم وارتفاع أسعار المواد الغذائية وتأثيرها على القدرة الشرائية للأسر.
وجاءت هذه المعطيات خلال تقديم تقرير المرصد الاقتصادي للمغرب لخريف 2023، الصادر تحت عنوان «من القدرة على الصمود إلى الرخاء المشترك»، والذي تناول تطورات النمو الاقتصادي، وأداء القطاعات الإنتاجية، وآفاق الاستثمار والتشغيل، إلى جانب التحديات الاجتماعية التي تواجه البلاد.
وأكدت المؤسسة المالية الدولية أن تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية لا يعني بالضرورة تجاوز الصعوبات التي تواجه الأسر، خاصة الفئات محدودة الدخل التي تأثرت بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
توقع نمو الاقتصاد المغربي بنسبة 2.8 في المائة
توقع البنك الدولي أن يسجل الاقتصاد المغربي نمواً بنسبة 2.8 في المائة خلال سنة 2023، بعد التباطؤ الذي شهده عام 2022 نتيجة تداخل مجموعة من الصدمات، من أبرزها الجفاف وارتفاع أسعار المواد الأولية والطاقة.
وأرجع التقرير التحسن المتوقع إلى التعافي الجزئي للإنتاج الفلاحي، واستمرار نشاط قطاع الخدمات، إلى جانب مساهمة صافي الصادرات في دعم النمو.
كما توقع، استناداً إلى المعطيات المتاحة في نونبر 2023، أن يتعزز الانتعاش الاقتصادي خلال السنوات اللاحقة، مع بلوغ معدل نمو الناتج الداخلي الإجمالي الحقيقي 3.1 في المائة سنة 2024، و3.3 في المائة سنة 2025، و3.5 في المائة سنة 2026.
وربط البنك الدولي تحقق هذه التوقعات باستمرار تعافي الطلب الداخلي وتراجع آثار الصدمات التي واجهها الاقتصاد المغربي خلال السنوات السابقة.
وتبقى هذه الأرقام توقعات صادرة في سياق اقتصادي محدد، وليست حصيلة نهائية للنمو المحقق خلال تلك السنوات.
التضخم يتراجع لكن أسعار الغذاء تواصل الضغط
خصص التقرير حيزاً مهماً لتطور التضخم بالمغرب، مشيراً إلى أن معدله انخفض إلى النصف تقريباً بين فبراير وغشت 2023.
غير أن هذا التحسن لم يكن كافياً لإزالة الضغوط المالية التي واجهتها الأسر، إذ ظلت أسعار المواد الغذائية مرتفعة مقارنة بالفترات السابقة.
وأوضح البنك الدولي أن ارتفاع أسعار الغذاء يؤثر بصورة أكبر على الأسر الفقيرة ومحدودة الدخل، بالنظر إلى الحصة المهمة التي تمثلها النفقات الغذائية ضمن ميزانيتها الشهرية.
ويعني تراجع معدل التضخم تباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار، وليس بالضرورة عودة مستوياتها إلى ما كانت عليه قبل موجة الغلاء.
وهو ما يفسر استمرار الشعور بارتفاع تكاليف المعيشة حتى في الفترات التي تسجل فيها المؤشرات العامة للتضخم انخفاضاً نسبياً.
القطاع الفلاحي بين التعافي وتحديات الجفاف
سلط تقرير البنك الدولي الضوء على أهمية القطاع الفلاحي في تحديد مسار النمو الاقتصادي المغربي، بالنظر إلى ارتباط جزء مهم من النشاط الاقتصادي بالمواسم الزراعية والتساقطات المطرية.
وأشار إلى أن التعافي الجزئي للإنتاج الفلاحي ساهم في دعم توقعات النمو لسنة 2023، بعدما تأثر القطاع خلال السنة السابقة بالظروف المناخية الصعبة.
ومع ذلك، ظل تكرار موجات الجفاف وندرة الموارد المائية من أبرز التحديات التي تواجه استقرار النشاط الفلاحي، خصوصاً بالمناطق المعتمدة على التساقطات المطرية.
وتكتسي هذه الإشكالية أهمية بالنسبة إلى الأقاليم ذات الطابع الفلاحي، ومن بينها إقليم برشيد، حيث ترتبط مداخيل عدد من الأسر بالأنشطة الزراعية والخدمات والتجارة المرتبطة بها.
كما أن ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والمواد الأساسية قد ينعكس على الفلاحين والمستهلكين، وإن كانت هذه التأثيرات المحلية تحتاج إلى إحصائيات إقليمية مستقلة لتحديد حجمها بدقة.
زلزال الحوز وتقييم تأثيراته الاقتصادية
تطرق البنك الدولي أيضاً إلى تداعيات زلزال 8 شتنبر 2023، الذي ضرب إقليم الحوز وخلف خسائر بشرية ومادية كبيرة.
واعتبر التقرير أن الكارثة شكلت صدمة إضافية واجهها المغرب بعد جائحة كورونا وتداعيات اضطرابات الأسواق العالمية والجفاف.
ورغم حجم الخسائر الإنسانية والمادية، رجح البنك الدولي آنذاك ألا تكون للزلزال انعكاسات كبيرة على المؤشرات الاقتصادية الوطنية الإجمالية، نظراً إلى تركز الأضرار في مناطق جغرافية محددة، خصوصاً التجمعات الجبلية النائية.
غير أن هذا التقييم المتعلق بالاقتصاد الكلي لا يقلل من جسامة الخسائر التي تعرض لها السكان ولا من التحديات المرتبطة بإعادة الإعمار واستعادة النشاط الاقتصادي المحلي.
كما نوه التقرير بخطة التنمية وإعادة البناء الموجهة إلى الأقاليم المتضررة، باعتبارها جزءاً من الاستجابة الوطنية لتداعيات الزلزال.
الصادرات والاستثمارات تدعم قدرة الاقتصاد على الصمود
أبرز التقرير أن الاقتصاد المغربي استفاد من استمرار الطلب الخارجي على عدد من السلع والخدمات، رغم تباطؤ النشاط الاقتصادي العالمي.
كما أشار إلى تطور قطاعات صناعية مرتبطة بسلاسل القيمة الدولية، واستمرار تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو أنشطة الصناعة التحويلية.
واعتبر البنك الدولي أن هذه المؤشرات تعكس قدرة الاقتصاد المغربي على الحفاظ على علاقاته التجارية والمالية الدولية والتكيف مع الظروف الاقتصادية الصعبة.
وساهم استمرار الوصول إلى الأسواق المالية الدولية، وفق التقرير، في تعزيز صورة المغرب باعتباره اقتصاداً قادراً على مواجهة الضغوط الخارجية.
ومع ذلك، شددت المؤسسة على أن القدرة على الصمود يجب أن تتحول إلى تحسن ملموس في مستوى معيشة السكان، من خلال رفع الإنتاجية وتشجيع الاستثمار وخلق فرص الشغل.
إصلاحات اقتصادية لتعزيز النمو والاستثمار
دعا البنك الدولي إلى مواصلة الإصلاحات الاقتصادية والمؤسساتية الرامية إلى تحسين مناخ الأعمال وتعزيز المنافسة ودعم القطاع الخاص.
وأوضح أن الاستثمارات والإصلاحات المرتبطة بالرأسمال البشري تكتسب أهميتها عندما تترافق مع إجراءات تسهل انتقال الموارد نحو الأنشطة الاقتصادية الأكثر إنتاجية.
كما أبرز ضرورة معالجة العوائق التنظيمية والمؤسساتية التي قد تحد من المنافسة أو تعرقل تطور المقاولات.
ويرتبط هذا التوجه بالسعي إلى تحقيق نمو أكثر شمولاً، بحيث لا تقتصر نتائجه على تحسن المؤشرات الاقتصادية العامة، بل تنعكس أيضاً على التشغيل والدخل وجودة الخدمات.
تمكين المرأة اقتصادياً في صلب التوصيات
خصص التقرير جانباً مهماً لمسألة مشاركة النساء في سوق العمل، معتبراً أن تعزيز حضور المرأة في النشاط الاقتصادي يمثل أحد العوامل الضرورية لتحقيق أهداف التنمية بالمغرب.
وأشار إلى استمرار مجموعة من العراقيل التي تحد من مشاركة النساء، من بينها صعوبات التنقل، وضعف الولوج إلى الخدمات المالية والرقمية، وبعض الإكراهات المرتبطة بظروف العمل.
كما أوضح أن رفع معدل مشاركة النساء في سوق الشغل إلى 45 في المائة، وفق الهدف المحدد في النموذج التنموي الجديد، يمكن أن يرفع معدل النمو الاقتصادي بنحو نقطة مئوية واحدة سنوياً، بحسب تقديراته.
ويعكس هذا التقدير أهمية توسيع فرص التشغيل والإدماج الاقتصادي، خاصة بالنسبة إلى النساء في المناطق القروية والحضرية.
بين تحسن المؤشرات واستمرار التحديات الاجتماعية
خلص التقرير إلى أن الاقتصاد المغربي أظهر قدرة على التكيف مع مجموعة من الصدمات المتزامنة، إلا أن استمرار الضغوط على مستوى معيشة السكان يستدعي مواصلة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية.
فالتعافي الاقتصادي، بحسب رؤية البنك الدولي في نونبر 2023، لا ينبغي أن يقاس بمعدلات النمو وحدها، بل بمدى انعكاسه على فرص العمل ودخل الأسر وتحسين ظروف العيش.
وتبرز هذه الخلاصة أهمية الجمع بين دعم الإنتاج والاستثمار ومواجهة التضخم وتعزيز الحماية الاجتماعية.
ويظل تقرير 16 نونبر 2023 وثيقة مرجعية لفهم الوضع الاقتصادي المغربي خلال تلك المرحلة، وما اتسمت به من محاولة التعافي من صدمات متتالية، في ظل استمرار تحديات الأسعار والجفاف والتشغيل.
برشيد الحدث | صوت الإقليم ونبض المجتمع


