شهد المغرب، ليلة الجمعة 8 شتنبر 2023، واحدة من أكثر الكوارث الطبيعية مأساوية في تاريخه الحديث، بعدما ضرب زلزال قوي إقليم الحوز، جنوب غرب مدينة مراكش، مخلفاً آلاف القتلى والجرحى وخسائر مادية جسيمة، خصوصاً بالمناطق الجبلية والقرى النائية بالأطلس الكبير.
وأطلقت السلطات المغربية، منذ الساعات الأولى التي أعقبت الهزة الأرضية، عمليات واسعة للبحث والإنقاذ وإسعاف المصابين وإيواء الأسر المتضررة، في وقت شهدت فيه مختلف مناطق المملكة تعبئة تضامنية شملت التبرع بالدم وجمع المساعدات الإنسانية وإرسال القوافل إلى المناطق المنكوبة.
هزة أرضية قوية تضرب الحوز في وقت متأخر من الليل
وقعت الهزة الأرضية في حدود الساعة الحادية عشرة وإحدى عشرة دقيقة ليلاً، وحدد المعهد الوطني للجيوفيزياء مركزها بجماعة إيغيل بإقليم الحوز.
وقدرت السلطات العلمية المغربية قوة الزلزال بسبع درجات، بينما سجلت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية قوته عند 6.8 درجات، وهو اختلاف يرتبط بأساليب القياس وتقدير الخصائص الزلزالية.
وشعر سكان عدد كبير من المدن المغربية بالهزة، فيما تركزت الأضرار الأشد في المناطق القريبة من مركز الزلزال، لا سيما القرى الجبلية الواقعة بإقليم الحوز ومناطق من إقليم تارودانت.
وأثارت الهزة حالة من الخوف والارتباك، حيث غادر العديد من المواطنين منازلهم إلى الفضاءات المفتوحة، تحسباً لاحتمال وقوع هزات ارتدادية.
وسجلت بعد الزلزال الرئيسي هزات ارتدادية، من بينها هزة بلغت قوتها نحو 4.9 درجات وفق المعطيات الأمريكية، ما زاد من صعوبة الوضع بالنسبة إلى السكان المتضررين وفرق التدخل.
حصيلة بشرية ثقيلة وخسائر واسعة في المباني
كشفت الحصائل الرسمية المتتالية عن ارتفاع أعداد الضحايا مع تقدم عمليات البحث والوصول إلى الدواوير المعزولة.
ووفق الحصيلة التي أعلنتها وزارة الداخلية يوم 13 شتنبر 2023، بلغ عدد الوفيات 2946 شخصاً، فيما وصل عدد المصابين إلى 5674 شخصاً.
وسجل إقليم الحوز أكبر عدد من الوفيات، بواقع 1684 حالة، يليه إقليم تارودانت بـ980 وفاة، بحسب المعطيات المعلنة في التاريخ نفسه.
كما تسبب الزلزال في انهيار منازل وتضرر مبانٍ ومرافق عمومية، بما فيها مؤسسات تعليمية وصحية، بينما وجدت أسر كثيرة نفسها دون مأوى.
وتأثرت مناطق جبلية بشكل خاص، بالنظر إلى طبيعة التضاريس وهشاشة بعض البنايات السكنية، فضلاً عن صعوبة الوصول إلى عدد من التجمعات السكانية الصغيرة.
وشكلت هذه الظروف تحدياً إضافياً أمام فرق الإنقاذ، خصوصاً خلال الساعات الأولى التي تلت الكارثة.
تعبئة القوات المسلحة والوقاية المدنية وفرق الإسعاف
فور وقوع الزلزال، باشرت السلطات العمومية عمليات التدخل في المناطق المتضررة، بمشاركة القوات المسلحة الملكية والسلطات المحلية والمصالح الأمنية والوقاية المدنية والأطقم الطبية.
وتركزت التدخلات الأولى على البحث عن الأشخاص العالقين تحت الأنقاض، وإجلاء المصابين نحو المؤسسات الاستشفائية، وإزالة العوائق التي حالت دون وصول المساعدات إلى بعض الدواوير.
كما جرى العمل على تأمين حركة السير عبر الطرق المتضررة، وإعادة فتح المسالك التي عرقلتها الانهيارات والأحجار المتساقطة.
وتطلبت طبيعة المناطق الجبلية توظيف إمكانيات لوجستيكية وبشرية مهمة، نظراً إلى تباعد التجمعات السكنية وصعوبة التضاريس.
وفي الوقت نفسه، تعبأت المصالح الصحية لاستقبال المصابين وتقديم العلاجات الضرورية، مع إعطاء الأولوية للحالات التي تستدعي تدخلاً عاجلاً.
جهود لإيواء الأسر وإيصال المساعدات الإنسانية
إلى جانب عمليات الإنقاذ، برزت الحاجة الملحة إلى توفير مأوى مؤقت للأسر التي فقدت مساكنها أو تعذر عليها العودة إليها بسبب الأضرار.
وشملت التدخلات توزيع الخيام والأغطية والمواد الغذائية والمستلزمات الأساسية، بالتنسيق بين السلطات المختصة ومؤسسة محمد الخامس للتضامن وعدد من المتدخلين.
وأعلنت المؤسسة، يوم 10 شتنبر 2023، تعبئة مواردها البشرية واللوجستيكية للمساهمة في عمليات الإغاثة والإيواء والمواكبة الصحية.
كما شكل إيصال المساعدات إلى الدواوير البعيدة أحد أبرز التحديات، بسبب الأضرار التي لحقت ببعض الطرق والمسالك الجبلية.
واستمرت الجهود خلال الأيام الموالية لإيصال الإمدادات الضرورية وتحديد حاجيات الأسر المتضررة.
موجة تضامن واسعة تعم مختلف مناطق المملكة
تزامنت عمليات التدخل الرسمية مع موجة تضامن شعبي امتدت إلى عدد من المدن المغربية، حيث بادر مواطنون وجمعيات ومؤسسات إلى إطلاق حملات لجمع التبرعات والمساعدات العينية.
وشهدت مراكز تحاقن الدم إقبالاً لافتاً من المواطنين الراغبين في المساهمة في إنقاذ المصابين، خاصة في الرباط والجديدة ومدن أخرى.
كما نظمت هيئات مدنية قوافل محملة بالمواد الغذائية والأغطية والملابس ومستلزمات الإيواء، لتوجيهها نحو المناطق المتضررة.
وبادرت مؤسسات عمومية وخاصة إلى تقديم مساهمات مادية ولوجستيكية، فيما انخرط متطوعون في جمع المساعدات وتصنيفها وتجهيزها للنقل.
وعكست هذه المبادرات حجم التعبئة التي عرفتها المملكة خلال الأيام الأولى التي أعقبت الزلزال.
إقليم برشيد ينخرط في جهود دعم المتضررين
لم يقتصر التضامن على المدن القريبة من مركز الزلزال، بل امتد إلى إقليم برشيد، حيث انخرطت فعاليات اقتصادية وجمعوية ومواطنون في مبادرات لجمع المساعدات لفائدة الأسر المنكوبة.
ووفق ما أوردته وسائل إعلام محلية بتاريخ 11 شتنبر 2023، انطلقت من مدينة برشيد وباقي مناطق الإقليم قوافل محملة بمواد غذائية ومستلزمات طبية وملابس وأغطية، في اتجاه المناطق المتضررة بإقليم الحوز.
كما ساهم فاعلون في قطاع النقل في توفير وسائل لوجستيكية لنقل الإمدادات، إلى جانب مشاركة عدد من الهيئات المدنية في جمع التبرعات وتنظيم القوافل.
وتواصل هذا الزخم خلال الأيام التالية، ومن بين المبادرات التي جرى توثيقها قافلة تضامنية نظمتها ساكنة أولاد عبو يوم 17 شتنبر 2023، ضمت شاحنتين وسيارات كبيرة محملة بالمساعدات.
وجرى توجيه تلك الإمدادات إلى مركز تجميع المساعدات بتحناوت بإقليم الحوز، بهدف المساهمة في إيصالها إلى الدواوير المتضررة عبر القنوات المخصصة لذلك.
وأظهرت هذه المبادرات حضور العمل التطوعي والتضامن المجتمعي بإقليم برشيد خلال الأزمة الوطنية.
تحديات إعادة الإعمار بعد مرحلة الطوارئ
مع تقدم عمليات الإنقاذ والإغاثة، برزت تحديات أخرى مرتبطة بإعادة تأهيل المساكن والبنيات التحتية المتضررة، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية.
وشملت الأولويات إصلاح الطرق والمسالك وإعادة تأهيل المؤسسات التعليمية والصحية، إلى جانب مواكبة الأسر التي فقدت منازلها ومصادر عيشها.
كما سلط الزلزال الضوء على أهمية تقوية معايير السلامة في البناء، وخاصة بالمناطق القروية والجبلية المعرضة للمخاطر الطبيعية.
وأبرزت الكارثة كذلك الحاجة إلى تطوير آليات الإنذار والتوعية بالمخاطر، وتعزيز قدرة الجماعات المحلية على الاستجابة للحالات الاستثنائية.
ولا تنفصل هذه التحديات عن ضرورة الاستمرار في دعم المجتمعات المتضررة على المدى الطويل، بما يتجاوز مرحلة المساعدات العاجلة.
فاجعة وطنية وذاكرة تضامن
يبقى زلزال 8 شتنبر 2023 من الأحداث المؤلمة التي تركت أثراً عميقاً في الذاكرة الجماعية للمغاربة، بالنظر إلى حجم الخسائر البشرية والمادية التي خلفها.
وفي المقابل، كشفت الأيام التي أعقبت الكارثة عن تعبئة واسعة شملت المؤسسات العمومية والمصالح الصحية وفرق الإنقاذ والمجتمع المدني والمواطنين.
وقد شكلت مساهمة مختلف الأقاليم، ومن بينها إقليم برشيد، في جمع المساعدات وإرسال القوافل الإنسانية جانباً من هذه الاستجابة الوطنية.
وإلى جانب استحضار الضحايا ومعاناة الأسر المتضررة، تظل فاجعة الحوز تذكيراً بأهمية الوقاية من المخاطر الطبيعية، وتعزيز جاهزية خدمات الطوارئ، وبناء آليات أكثر استدامة لحماية السكان والممتلكات.


