أعادت دراسة علمية حديثة ملف جودة المياه الجوفية بسهل برشيد إلى واجهة النقاش البيئي، بعدما كشفت عن وجود مناطق تواجه مستويات مرتفعة من مخاطر التلوث ذي المصدر البرازي، في مجال فلاحي يعتمد بشكل كبير على المياه الجوفية لتلبية حاجيات الري، خاصة في ظل توالي سنوات الجفاف وتزايد الضغط على الموارد المائية.
ووفقاً للمعطيات التي أوردتها جريدة هسبريس يوم الاثنين 7 شتنبر 2026، فإن الدراسة المنشورة بالمجلة العلمية الدولية «Ecological Indicators» خلصت إلى أن نحو 3.7 في المائة من المجال المائي المدروس بسهل برشيد يقع ضمن المناطق المصنفة عالية الخطورة من حيث احتمال التلوث البرازي.
وتسلط هذه النتائج الضوء على أهمية تعزيز المراقبة البيئية وحماية الفرشة المائية من مصادر التلوث المحتملة، باعتبارها مورداً حيوياً للأنشطة الفلاحية والاقتصادية بالمنطقة.
دراسة علمية ترصد مخاطر التلوث في المياه الجوفية
اعتمد الباحثون في دراستهم على تطوير مؤشر علمي لتقييم مخاطر التلوث البرازي بالمياه الجوفية المستعملة في السقي خلال فترات الجفاف.
وشملت عمليات القياس الميداني 84 موقعاً للمياه الجوفية، استُخدمت بيانات 81 موقعاً منها في التحليل النهائي، وفق المعطيات العلمية المنشورة.
واستندت المنهجية إلى قياس مؤشر الفلورة الشبيهة بالتريبتوفان، المعروف اختصاراً بـ«TLF»، الذي يُستخدم لرصد إشارات مرتبطة بالمواد العضوية الحديثة والنشاط الميكروبي، ويمكن الاستعانة به لتقدير احتمالات التلوث ذي المصدر البرازي.
كما جمع الباحثون بين القياسات الميدانية والمعطيات البيئية ومؤشرات الضغط البشري وكثافة استعمال المياه في الري، بهدف إعداد خريطة للمناطق الأكثر عرضة للخطر.
وأظهرت النتائج أن نحو 3.7 في المائة من مساحة الفرشة المدروسة صُنفت ضمن مستوى الخطر المرتفع، مقابل حوالي 53.6 في المائة ضمن المستوى المتوسط، ونحو 42.7 في المائة ضمن المستوى المنخفض.
وتشير هذه النسب إلى تصنيف جغرافي لمستويات الخطر، وليس إلى نسبة الآبار الملوثة فعلياً أو نسبة المياه غير الصالحة للاستعمال.
الأنشطة البشرية ضمن العوامل المؤثرة في جودة المياه
خلصت الدراسة إلى أن المؤشرات المرتبطة بالأنشطة البشرية تفسر جانباً مهماً من التفاوت المكاني في إشارات التلوث، مقارنة ببعض العوامل البيئية والطبيعية.
وأظهرت التحليلات ارتباط ارتفاع مؤشر الفلورة بالقرب من بعض مناطق النشاط الصناعي وتربية الماشية ومحطات معالجة المياه العادمة.
غير أن هذه العلاقة الإحصائية لا تعني بالضرورة إثبات مسؤولية منشأة محددة عن التلوث، إذ يتطلب تحديد المصادر الفعلية إجراء تحاليل إضافية وتتبع مسارات انتقال الملوثات إلى الفرشة المائية.
وتبرز هذه النتائج أهمية اعتماد مقاربة بيئية شاملة، تراعي التأثيرات المحتملة لمختلف الأنشطة البشرية على الموارد المائية، مع تعزيز شروط التدبير الآمن للمخلفات والمياه العادمة.
الفلاحة بسهل برشيد أمام تحديات مائية متزايدة
تكتسي نتائج هذه الدراسة أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التي يحتلها النشاط الفلاحي بسهل برشيد، حيث تشكل المياه الجوفية مصدراً رئيسياً للري.
ومع تراجع الموارد المائية السطحية وتكرار فترات الجفاف، تتزايد الحاجة إلى حماية الاحتياطات الجوفية، ليس فقط من حيث الكمية المتوفرة، وإنما أيضاً من حيث الجودة ومدى ملاءمة المياه للاستعمالات الفلاحية.
فاستدامة الإنتاج الزراعي ترتبط بتوفير موارد مائية تستجيب للمتطلبات الصحية والبيئية، خصوصاً عند استعمال المياه في سقي المحاصيل الموجهة للاستهلاك البشري.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية المراقبة المنتظمة لجودة مياه الآبار والأثقاب المستعملة في الري، والتمييز بين مصادر المياه المختلفة ومستويات المخاطر المرتبطة بها.
هل تشكل النتائج تهديداً مباشراً لصحة المواطنين؟
رغم أهمية المعطيات التي كشفتها الدراسة، فإن نتائجها لا تسمح وحدها بالجزم بوجود خطر صحي مباشر على جميع سكان مدينة برشيد أو بإعلان عدم صلاحية المياه الموزعة عبر شبكة الشرب.
فالدراسة ركزت أساساً على مخاطر التلوث البرازي في المياه الجوفية المستعملة لأغراض الري، واعتمدت مؤشراً علمياً لرصد احتمالات التلوث وتحديد المناطق الأكثر عرضة له.
كما أن قياس مؤشر الفلورة لا يعادل بالضرورة إثبات وجود جراثيم ممرضة أو تحديد تركيزاتها، الأمر الذي يستدعي إجراء تحاليل ميكروبيولوجية ومخبرية متخصصة عند تقييم السلامة الصحية للمياه.
ويظل الحكم على صلاحية المياه للشرب أو السقي مرتبطاً بنتائج التحاليل المعتمدة والمعايير التنظيمية المعمول بها لكل استعمال.
الحاجة إلى مراقبة مستمرة للفرشة المائية
تؤكد الدراسة أهمية تطوير منظومة المراقبة البيئية بالمجالات الفلاحية، من خلال تحديد المواقع الأكثر عرضة لمخاطر التلوث وإخضاعها لتتبع منتظم.
كما تبرز ضرورة الربط بين المعطيات العلمية والممارسات الميدانية، بما يسمح بتوجيه جهود المراقبة نحو المناطق ذات الأولوية وتحديد مصادر التلوث المحتملة.
ومن بين الإجراءات التي يمكن أن تساهم في حماية الموارد المائية، تعزيز مراقبة تصريف المياه العادمة، وتحسين تدبير المخلفات الناتجة عن بعض الأنشطة الاقتصادية والفلاحية، وتشجيع الممارسات الزراعية التي تراعي حماية التربة والمياه.
وتتطلب هذه الجهود تنسيقاً بين الجهات المكلفة بالماء والبيئة والفلاحة والسلطات الترابية، إلى جانب انخراط الفاعلين الاقتصاديين والمزارعين في حماية الموارد المائية.
حماية المياه الجوفية رهان للتنمية المحلية
لا تقتصر أهمية الفرشة المائية بسهل برشيد على دورها في تلبية حاجيات الري، بل تمتد إلى مساهمتها في دعم النشاط الاقتصادي واستقرار الإنتاج الفلاحي.
ومن شأن تدهور جودة هذا المورد أن يطرح تحديات إضافية أمام استدامة الأنشطة المرتبطة به، خصوصاً في ظل الضغوط المناخية والاقتصادية التي تواجه القطاع الفلاحي.
كما يبرز ملف جودة المياه ضرورة اعتماد التخطيط الاستباقي، من خلال توفير قواعد بيانات دقيقة ومحيّنة حول حالة الموارد الجوفية وتطور مؤشرات التلوث.
وتسمح هذه المقاربة بتحسين اتخاذ القرار وتوجيه الاستثمارات البيئية نحو المجالات التي تحتاج إلى تدخلات ذات أولوية.
نتائج علمية تستدعي المتابعة والتقييم
تشكل الدراسة المنشورة في مجلة «Ecological Indicators» مساهمة علمية في فهم مخاطر تلوث المياه الجوفية بسهل برشيد، من خلال تقديم مؤشر يجمع بين الضغوط البشرية وكثافة استعمال المياه في الري.
غير أن هذه النتائج لا تمثل، في حد ذاتها، دليلاً على ارتفاع التلوث مع مرور الزمن، إذ يتطلب إثبات وجود منحى تصاعدي إجراء قياسات متكررة ومقارنة النتائج عبر فترات زمنية مختلفة.
وفي انتظار توفر معطيات ميدانية أكثر تفصيلاً وحداثة، تظل حماية الفرشة المائية بإقليم برشيد أولوية بيئية وتنموية، تستدعي تعزيز المراقبة العلمية وتحسين تدبير الموارد المائية، بما يضمن استدامتها للأجيال الحالية والمقبلة.
وتؤكد هذه المعطيات أن المحافظة على الماء لا ترتبط فقط بترشيد الاستهلاك، بل تشمل أيضاً حمايته من التلوث وضمان جودة الموارد المستخدمة في الأنشطة الفلاحية والاقتصادية.


